أسعار الغاز في أمريكا تتحدى التوترات العالمية.. ما سر الصمود؟
تشهد أسواق الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة حالة من الاستقرار اللافت، على الرغم من موجة التقلبات الحادة التي تضرب أسواق الطاقة العالمية، خصوصًا في أوروبا وآسيا، والتي تأثرت بارتفاع المخاوف الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتراجع الإمدادات في بعض المسارات الحيوية.
ويأتي هذا الاستقرار في أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة مدفوعًا بمجموعة من العوامل الهيكلية، أبرزها وفرة الإنتاج المحلي، وتطور تقنيات استخراج الغاز الصخري، إلى جانب محدودية البنية التحتية الخاصة بتسييل وتصدير الغاز، ما يخلق حالة من “العزل النسبي” للسوق الأميركية عن التقلبات العالمية.
وفرة الإنتاج المحلي تدعم استقرار أسعار الغاز في أمريكا
تُعد الولايات المتحدة أكبر منتج للغاز الطبيعي عالميًا، حيث تعتمد على مزيج متنوع من المصادر، أبرزها الغاز الصخري والغاز المصاحب لإنتاج النفط، بالإضافة إلى واردات كندا عبر خطوط الأنابيب. هذا التنوع في مصادر الإمداد أسهم في خلق فائض نسبي في السوق المحلية، ما حدّ من تأثير الاضطرابات الخارجية على الأسعار الداخلية.
ووفق تقديرات حديثة، يقترب الإنتاج الأميركي من مستويات قياسية قد تصل إلى 110 مليارات قدم مكعبة يوميًا، مدعومًا بحقول رئيسية مثل أبالاتشيا وبرميان وهاينزفيل، في وقت لا يزال فيه الطلب المحلي قويًا، لكنه لا يضغط على المعروض بالشكل الذي يسبب اختلالًا سعريًا.
لماذا ترتفع الأسعار عالميًا بينما تستقر في أمريكا؟
على عكس النفط الخام، يُعد نقل الغاز الطبيعي أكثر تعقيدًا، إذ يحتاج إلى تحويله إلى غاز طبيعي مسال (LNG) عبر تبريده إلى درجات حرارة تصل إلى 260 تحت الصفر، قبل شحنه عبر البحار. هذه العملية تتطلب بنية تحتية ضخمة ومكلفة.
لكن الولايات المتحدة تمتلك عددًا محدودًا من محطات التسييل، تعمل بالفعل بكامل طاقتها تقريبًا، ما يجعل قدرتها على زيادة الصادرات مقيدة رغم الطلب العالمي المرتفع، خصوصًا من أوروبا التي تعتمد بشكل متزايد على الغاز الأميركي.
هذا القيد الهيكلي أدى إلى انفصال نسبي بين أسعار الغاز في الولايات المتحدة وبين الأسعار العالمية، حيث ارتفعت الأسعار في أوروبا وآسيا بنسب ملحوظة، بينما بقيت مستقرة داخل السوق الأميركية.
موسم الربيع يخفف الضغط على الطلب
تزامن ذلك مع دخول السوق الأميركية مرحلة الربيع الانتقالي، وهي فترة يشهد فيها الطلب على التدفئة تراجعًا طبيعيًا، قبل أن يرتفع مجددًا مع موسم الصيف. هذا الانخفاض الموسمي في الاستهلاك عزز من عمليات تخزين الغاز، ما دعم الاستقرار السعري.
تأثيرات الحرب وأسواق الطاقة العالمية
على الصعيد العالمي، ساهمت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط في رفع أسعار الغاز المسال والنفط، وسط مخاوف من تعطل سلاسل الإمداد. وتشير تقديرات إلى أن نحو 20% من تدفقات الطاقة العالمية قد تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بهذه الاضطرابات.
لكن في المقابل، تبقى السوق الأميركية أقل تأثرًا بفضل الاكتفاء النسبي والبنية الإنتاجية القوية، ما يعزز موقعها كأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، ويجعلها عنصرًا استقرارًا مهمًا في معادلة الطاقة العالمية.
مستقبل سوق الغاز في الولايات المتحدة
مع استمرار خطط التوسع في قدرات التسييل، تتجه الولايات المتحدة لتعزيز صادراتها تدريجيًا، خاصة إلى أوروبا، ما قد يقلل من الفجوة السعرية عالميًا على المدى المتوسط، لكنه في الوقت نفسه قد يبقي السوق المحلية في حالة توازن نسبي طالما استمر التفوق في الإنتاج على نمو الطلب.

