إلغاء رسوم ترامب يعيد تشكيل المشهد الاقتصادي.. من الرابح ومن الخاسر؟
وضع قرار المحكمة العليا الأمريكية، بإلغاء التعرفات الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالدو ترامب، الاقتصاد الأمريكي أمام معادلة معقدة تجمع بين فرص خفض التضخم ومخاطر تباطؤ الاستثمار والتوظيف، في وقت تعاني فيه الأسواق من حالة ضبابية بشأن مستقبل السياسات التجارية والنقدية.
ويعد هذا التطور القضائي أحد أبرز التحولات التي أعادت رسم النقاش حول مسار الاقتصاد الأميركي خلال المرحلة المقبلة.
بحسب تصريحات أوستن غولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، فإن إزالة القيود التجارية قد تمنح المستهلكين انفراجة سعرية عبر خفض تكاليف الواردات، لكنها في المقابل تخلق بيئة تشغيلية غير مستقرة للشركات التي باتت تفتقر إلى وضوح الرؤية التشريعية.
هذه المفارقة تجعل أي مكاسب اقتصادية محتملة رهينة بمدى استقرار السياسات في واشنطن خلال الفترة المقبلة.
خفض التوظيف دون تسريح واسع
وتشير تقارير اقتصادية نشرتها بلومبرج إلى أن الشركات الأمريكية بدأت بالفعل تبني استراتيجية حذرة تقوم على “خفض التوظيف دون تسريح واسع”، وهي آلية دفاعية تلجأ إليها المؤسسات عندما تتزايد حالة عدم اليقين بشأن تكاليف الإنتاج والتجارة الدولية.
كما أن الإدارة الأمريكية تدرس مسارات قانونية بديلة لإعادة فرض الرسوم بعد أن قضت المحكمة بعدم أحقية الرئيس دونالد ترامب في الاستناد إلى قانون الطوارئ لعام 1977 لفرضها، ما أضاف طبقة جديدة من الغموض إلى المشهد الاقتصادي.
صدمة إيجابية
اقتصاديًا، يُنظر إلى إلغاء رسوم ترامب باعتباره “صدمة عرض إيجابية”، إذ يؤدي نظريًا إلى تقليل تكلفة السلع المستوردة وخفض الضغوط التضخمية المدفوعة بالتكاليف، وهو ما قد يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للسيطرة على التضخم دون تشديد نقدي إضافي.
إلا أن استمرار التضخم قرب مستوى 3% بنهاية 2025، وهو أعلى من المستهدف البالغ 2%، يعني أن الطريق نحو الاستقرار السعري لا يزال طويلاً.
محاضر اجتماعات الفيدرالي أظهرت انقسامًا بين المسؤولين حول توقيت خفض أسعار الفائدة، حيث يفضل معظمهم التريث حتى تتأكد دلائل تراجع التضخم بشكل مستدام، بينما يرى آخرون أن أي تيسير مبكر قد يعيد إشعال الضغوط السعرية.
نغييرات محتملة
وفي هذا السياق، تترقب الأسواق أيضًا التغيرات المحتملة في قيادة البنك المركزي مع اقتراب انتهاء ولاية جيروم باول، ما يضيف بُعدًا سياسيًا جديدًا لمسار السياسة النقدية.
ويرى خبراء أن الأسواق بطبيعتها تتعامل مع الضرائب أو الرسوم الثابتة بشكل أفضل من التعامل مع التغيرات المفاجئة، لأن عدم الاستقرار التشريعي يدفع الشركات إلى تأجيل الاستثمار والتوسع، وهو ما قد ينعكس سلبًا على سوق العمل والنمو طويل الأجل.
في المحصلة، يقف الاقتصاد الأمريكي أمام مفترق طرق دقيق: فبينما قد يسهم إلغاء الرسوم الجمركية في تخفيف الضغوط التضخمية على المدى القصير، فإنه قد يضعف شهية الاستثمار ويؤخر خلق الوظائف إذا استمرت حالة عدم اليقين.

