بين العقوبات الغربية والنفط.. كيف صمد اقتصاد روسيا وسط الحرب؟

كيف صمد اقتصاد روسيا
كيف صمد اقتصاد روسيا وسط الحرب

بعد مرور أربع سنوات على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، تبدو روسيا اليوم دولة مختلفة جذرياً عن تلك التي كانت معروفة قبل الأزمة. 

الصدمات الاقتصادية، الضغوط الدولية، والتحديات السياسية أعادت تشكيل أولويات الدولة والمجتمع، وأثرت بعمق على مسار السياسات الداخلية والخارجية لموسكو.

الاقتصاد الروسي بين الصمود والضغط

تشير تقارير اقتصادية، منها تقرير الإيكونوميست، إلى أن الاقتصاد الروسي صمد بشكل لافت، رغم العقوبات الغربية الصارمة والصراع المستمر. فقد نما الاقتصاد بوتيرة أسرع من المتوقع خلال الفترة 2022-2024، مدفوعاً بارتفاع صادرات النفط وضخ الدولة للأموال العامة، قبل أن يتباطأ النمو في 2025 إلى حوالي 0.6% فقط. البطالة منخفضة عند 2%، فيما ظلت ثقة المستهلك عند مستويات مرتفعة وفق بيانات مؤسسة ليفادا لاستطلاعات الرأي.

إلا أن هذه المؤشرات تخفي واقعاً مختلفاً، فمعدل البطالة المنخفض مرتبط جزئياً بتجنيد القوى العاملة في آلة الحرب وبهجرة مئات الآلاف من الروس خارج البلاد. كما يعاني الاقتصاد المدني من ركود ملحوظ، حيث سجل عدد الشركات الجديدة أدنى مستوى له منذ 14 عاماً، وارتفعت متأخرات الأجور إلى 2.2 مليار روبل في قطاع البناء.

التحولات الميدانية والعسكرية

على صعيد الصراع العسكري، تمكنت روسيا من تثبيت سيطرتها على مساحات واسعة من شرق أوكرانيا، بما في ذلك أكثر من 80% من أراضي مقاطعة دونيتسك وسيطرة شبه كاملة على مقاطعة لوهانسك. 

كما اعتمد الجيش الروسي بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة والتقنيات الحديثة، ما يعكس طبيعة الحروب المعاصرة التي تعتمد على التكنولوجيا والقدرات غير التقليدية.

تداعيات الحرب على السياسة والمجتمع

السياسة الداخلية الروسية شهدت تحولاً كبيراً، مع توسيع صلاحيات المؤسسات الأمنية والرقابية ورفع حساسية الدولة تجاه المعلومات والفضاء العام. أصبحت الأولويات الوطنية والأمن القومي المرجع الأساسي في صياغة السياسات الإعلامية والتعليمية والاقتصادية.

على الصعيد الاجتماعي، اندمج جزء من المواطنين في سردية الصمود والمواجهة مع الغرب، بينما اتجه آخرون نحو الإرهاق أو الهجرة، وظهر نمط جديد من التعايش مع الأخبار السلبية والتقلبات الاقتصادية.

التحولات الاقتصادية الاستراتيجية

فرضت العقوبات الغربية إعادة هندسة الاقتصاد الروسي، مع توجيه التجارة والاستثمارات نحو آسيا والجنوب، خاصة مع تكتلات مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي وسياسات إحلال الواردات.

في المقابل، ارتفع وزن الإنفاق العسكري والصناعات الدفاعية، ما خلق فرصاً لقطاعات محددة لكنه ضغط على الابتكار المدني والاستثمارات طويلة الأجل، وزاد من مشكلة نقص العمالة والكوادر المتخصصة.

التوازن الاستراتيجي الدولي

الحرب عززت موقع روسيا الاستراتيجي، لكنها لم تحقق انتصاراً حاسماً على الأرض. كما أن الصراع أظهر تحولات مهمة في الخريطة الاقتصادية العالمية، مع تزايد الاعتماد على قوى آسيوية صاعدة، وانقسام داخل الاتحاد الأوروبي حول نهج التعامل مع موسكو.

في المجمل، روسيا بعد أربع سنوات من الحرب تبدو دولة أكثر مركزية وتحكماً، صامدة اقتصادياً، مع مجتمع متكيف ومرن أمام الضغوط، لكنها تواجه تحديات مستمرة تتعلق بالنمو المدني والتوازن الاقتصادي بعيد المدى، ما يجعل مستقبلها الإقليمي والدولي محاطاً بالغموض.

تم نسخ الرابط