رودي نبيل تكتب : لماذا لا يختفي الأشخاص المؤذون من حياتنا بسهولة؟
يدفعك الله أحيانًا خارج عشك لتتعلم الطيران، فكن على يقين أن معاناتك لم تكن صدفة، وإنما ارتقاء لم يكن ليحدث لولا الألم. فبعض الأوجاع تحمل في طياتها رسالة خفية، وقد يكون الأشخاص المؤذون أداة لإعادة التشكيل لا للعقاب.
في حياة كل واحد منا دائرة، صغيرة كانت أو كبيرة، تضم أشخاصًا قريبين، لكن وجودهم متعب نفسيًا، ثقيل، وأذاهم متكرر. نقف كثيرًا متسائلين: لماذا يتركهم الله في حياتنا؟ ولماذا لا يبعدهم عنا رغم طيبة نوايانا معهم، ورغم أن نيتنا كانت دائمًا خيرًا؟ ولماذا يكون الأذى أحيانًا نفسيًا عميقًا وملازمًا لنا؟
الأذى النفسي أو المادي كقوة دافعة
هنا يظهر مفهوم مختلف؛ الأذى النفسي أو المادي كقوة دافعة لا نراها بوضوح ولا نشعر بها في لحظتها فأول رد فعل تجاه الشخص المؤذي غالبًا ما يكون الغضب، أو الرغبة في المواجهة والانتقام، أو حتى قطع العلاقة نهائيًا، مع اعتقاد راسخ أن الخلاص الوحيد هو محو وجوده من حياتنا.
لكن الحقيقة المؤلمة أحيانًا، أن وجود هؤلاء في كثير من الأحيان ليس عبثًا ولا صدفة على الإطلاق.
الأذى يفعل ما لا تفعله الراحة أبدًا. يهزك من مكانك، يدفعك للتوقف، للسؤال، للمراجعة، للتفكير، وأحيانًا لتغيير مسارك بالكامل. بل يضعك – دون أن تدري – على الطريق الصحيح. لو كانت الحياة تسير فقط بسهولة واحتواء دائم، لكنا اكتفينا بالعيش دون وعي، دون أسئلة، دون تكوين حقيقي لشخصياتنا أو مواجهة جروحنا القديمة.
هنا يصبح الأذى بمثابة صدمة صحية، موجعة نعم، لكنها توقظك وتبنيك من جديد. الألم يجعلك ترى نفسك ومن حولك بوضوح، ترى ضعفك، حدودك، وسكوتك الذي كان متغلفًا بالعشم تحت مسمى الطيبة.
ثم تأتي مرحلة أخرى، حيث يبدأ الشخص المؤذي – دون قصد – في كشف حقيقته ليخدم رحلتك أنت. والغريب أنك تكتشف أن الله لا يطلب منك الانتقام، ولا رد الأذى بمثله.
الحكمة أعمق من ذلك فالمؤذي في النهاية غالبًا ما يهزم نفسه بنفسه، ويقع في شر أفعاله، ويُظهر أسوأ ما فيه بصورة صادمة، لتصل الرسالة كاملة، المهم أنك تكون قد تعلمت.
قسوة القلب، والطمع، والحقد، والفراغ العاطفي، ليست مظاهر قوة كما يظن البعض، بل علامات خلل وغضب داخلي. وحين تتألم، وتتوجع، وتشعر بالخذلان، فهذا ليس ضعفًا منك، بل دليل على أن قلبك ما زال حيًا، يشعر، ويميز، ويرفض الشر. فتبحث، ومع البحث تتعلم، ومع التعلم تتغير للأفضل، ومع التغير يشتد عودك.
الأشخاص الصعبون يكبرونك غصبًا عنك وعنهم، والمواقف التي تسببوا بها، رغم قسوتها، كانت بداية تشكلك النفسي الحقيقي. قبلها ربما كنت نسخة غير مكتملة أو غير ناضجة، بعدها تصبح نسخة أوضح، أعمق، وأكثر قوة.
وهنا نصل لمحور مهم: أين تضع قوتك لتنجو وتترقى؟
أكثر ما يؤذيك ليس وجود الشخص المؤذي ذاته، بل بقاؤك عالقًا في انتظاره، مركزًا على إثبات حقك، أو ترقب انتقام، أو رغبة ملحة في إخراجه من حياتك بأي ثمن.
هذا ليس ما تحتاجه الآن ما تحتاجه فعلًا هو أن تسأل نفسك: ما الحقيقة التي ظهرت؟ ما المعتقدات التي كانت مشوهة؟ ما الحدود التي يجب أن تُرسم؟
ليس مطلوبًا منك تبرير الأذى، ولا التصالح مع من ظلمك إن لم تكن قادرًا، لكن المطلوب أن تستفيد، وأن تضع حدودًا واضحة إن أمكن، أو على الأقل تغيّر تأثير أفعاله عليك. حدود نفسية داخلية تحميك إن لم يكن الابتعاد ممكنًا.
عندما يتحول تركيزك من الألم إلى التعلم، ومن الجرح إلى النضج، ومن الانتقام إلى الفهم، يفقد الشخص المؤذي سلطته عليك مع الوقت، ويتلاشى تأثيره.
الرحلة ليست سهلة، لكنها صادقة وفي نهايتها ستدرك أن ما حسبته كسرًا كان في الحقيقة إعادة ضبط وتشكيل على الطريق الصحيح، وأن من وجعوك – دون أن يقصدوا – كانوا سببًا في أن تقف من جديد، أكثر صلابة، وأقوى، وأعمق وعيًا.

