الذهب عند قمم تاريخية.. من يوقف موجة الصعود؟
شهد العام الماضي إقبالاً واسعاً على الذهب، خصوصاً من خلال صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب، نتيجة عدة عوامل أبرزها الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب، وتهديده باستقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى جانب التوترات الجيوسياسية والمخاوف من تضخم الدين الحكومي، كما واصلت البنوك المركزية تعزيز احتياطياتها من المعدن النفيس، وذلك وفق “بلومبرج”.
هذه العوامل مجتمعة دفعت أسعار الذهب إلى مستويات قياسية جديدة، متجاوزة ذروتها المعدلة حسب التضخم التي سجلها عام 1980، ووصل المعدن إلى أعلى قيمة له على الإطلاق وسط مخاوف من تصاعد النزاعات التجارية بعد محاولات ترامب للسيطرة على غرينلاند، ما أثار احتمالات اندلاع حرب رسوم جمركية بين الولايات المتحدة وأوروبا.
لماذا يُعتبر الذهب ملاذاً آمناً؟
يتم تداول الذهب يومياً بمئات المليارات من الدولارات عبر منصات متعددة، ما يوفر سيولة كافية للمستثمرين الكبار للدخول والخروج دون تقلبات حادة في الأسعار.
كما أن الذهب لا يعتمد على طرف مقابل، ولا يتأثر بجدارة ائتمانية لدولة أو شركة، على عكس معظم الأوراق المالية، ما يفسر جزئياً جاذبيته لدى البنوك المركزية وكبار مديري الأموال.
علاقة الذهب بالدولار الأمريكي
يمثل الدولار الأمريكي عاملًا مهمًا في سوق الذهب، إذ غالباً ما يتحرك سعر المعدن بعكس اتجاه الدولار؛ فضعف العملة الأمريكية يجعل الذهب أرخص لحاملي العملات الأخرى.
ويخصص المستثمرون في محافظهم المتنوعة حصصاً كبيرة للأسهم الأمريكية والأصول المقوّمة بالدولار، ويجعل الذهب أداة فعّالة للتحوط ضد تقلبات العملة.
الدين الحكومي والتضخم.. محركات جديدة للطلب
ارتفاع الدين الحكومي عالمياً زاد من المخاوف بشأن الأصول السيادية، ما دفع عدداً كبيراً من المستثمرين إلى الذهب والمعادن النفيسة الأخرى كوسيلة لحماية الثروة.
وفي ظل توقعات التضخم والضغوط المتزايدة على الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من قبل الرئيس ترامب، يصبح الذهب أكثر جاذبية، خصوصاً في بيئة منخفضة الفائدة، حيث تقل تكلفة الفرصة البديلة مقارنة بالأصول المدرة للفائدة.
الذهب ليس حكراً على المستثمرين
بعيداً عن الأسواق المالية، يحتفظ الذهب بمكانة رمزية وثقافية قوية في الهند والصين، حيث يُورَّث عبر الأجيال كمجوهرات وسبائك تعكس الرخاء والأمان.
وتمتلك الأسر الهندية وحدها نحو 25 ألف طن من الذهب، أي أكثر من خمسة أضعاف المخزون الأمريكي في فورت نوكس.
أسعار المجوهرات ودورها في استقرار السوق
يؤثر سعر الذهب على الطلب على المجوهرات، فمع تراجع الأسعار لجذب المستثمرين، يزداد الإقبال على الشراء من قبل الأفراد، مما يساهم في استقرار السوق، شهدت السنوات الأخيرة انخفاض الطلب على الذهب الزخرفي نتيجة ارتفاع الأسعار.
5 عوامل قد تكبح ارتفاع أسعار الذهب
قد يؤدي ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي، أو تخفيض الرسوم الجمركية، أو إحراز تقدم في مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا، إلى تراجع أسعار الذهب.
كما يمكن أن يضعف انخفاض التوترات الجيوسياسية، بما في ذلك مساعي ترامب للسيطرة على غرينلاند، الطلب على المعدن النفيس.
أيضاً، انخفاض مشتريات البنوك المركزية سيزيل أحد أهم محركات السوق الصاعدة، فعلى سبيل المثال، تجاوزت بعض البنوك المركزية نسبة الحيازة المستهدفة، ما دفع بعض صناع السياسات إلى التوصية ببيع جزء من السبائك.
مشتريات البنوك المركزية.. بين الاستمرار والتراجع
وحافظت البنوك في الاقتصادات المتقدمة على كميات الذهب بشكل مستقر خلال العقود الأخيرة مقارنة بفترة التسعينيات.
ويمثل تراجع الطلب الرسمي من البنوك المركزية أحد أبرز السيناريوهات التي قد تقلص موجة الصعود الحالية، خصوصاً مع تغير توجهات بعض صناع القرار نحو إعادة ضبط مستويات الحيازة.
تكاليف إضافية ومخاطر سوقية للمستثمرين
تمثل ملكية الذهب تكاليف إضافية على المستثمرين، مثل التخزين والأمن والتأمين، كما يدفع مشترو السبائك والعملات عادة علاوة سعرية على السوق الفوري، وتحدث فروقات جغرافية قد يستفيد منها المتداولون.
فروقات الأسعار بين نيويورك ولندن.. مثال من 2025
على سبيل المثال، في أوائل 2025، أدت المخاوف من فرض رسوم جمركية أمريكية على واردات السبائك إلى ارتفاع أسعار العقود المستقبلية للذهب في بورصة كومكس بنيويورك فوق أسعار السوق الفورية في لندن، ما أثار حركة ضخمة لنقل المعدن إلى الولايات المتحدة.