اضطرابات غير مسبوقة في سوق الفضة بالجملة بالولايات المتحدة مع نفاد المعروض وتآكل السيولة
يشهد سوق الفضة بالجملة في الولايات المتحدة حالة من التقلبات الحادة والاضطرابات غير المسبوقة، وسط مؤشرات قوية على اختناق السيولة ونفاد المعروض من الفضة المادية، في تطور يلفت أنظار المستثمرين والأسواق العالمية.
سوق الفضة الأمريكية
وكشف أحد كبار تجار المعادن النفيسة عن تفاصيل مقلقة تعكس حجم الأزمة التي تضرب سوق الفضة الأمريكية في الوقت الراهن.
وأوضح التاجر أنه تم، خلال الساعات الأولى من صباح اليوم، تلقي ورقة بيانات خاصة بتجارة الفضة بالجملة من أحد وكلاء دار سك العملة الأمريكية المعتمدين، أظهرت أن جميع منتجات الفضة المادية قد نفدت بالكامل.
وأشار إلى أن أحد كبار تجار الجملة، الذين يشترون مباشرة من دار سك العملة الأمريكية، أوقفوا تمامًا قبول أي طلبات شراء على منتجات الفضة المادية، في خطوة تعكس عمق الأزمة التي يمر بها السوق.
وفي الوقت نفسه، لوحظ اختفاء مفاجئ لعدد كبير من المنتجات الفضية المادية المخصصة للبيع بالتجزئة، دون وجود أي عروض متاحة في الأسواق، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول أسباب هذا النقص الحاد.
وبحسب مصادر من داخل صناعة سبائك الفضة بالجملة والتجزئة في الولايات المتحدة، فإن هذه الأزمة لا تعود إلى ضعف الطلب، بل على العكس، تعكس نقصًا حادًا في رأس المال لدى كبار تجار الجملة والوسطاء.
وتشير المعلومات المتداولة داخل القطاع إلى أن جميع تجار الجملة الرئيسيين للمعادن الثمينة في الولايات المتحدة قد استنفدوا الحد الأقصى لخطوط الائتمان المتاحة لهم، إلى درجة أنهم لم يعودوا يتلقون أي عروض جديدة على منتجات الفضة، وفي الوقت نفسه لا يمتلكون أي مخزون فعلي للبيع. ويُعد هذا الوضع تطورًا خطيرًا، حيث يبدو أن الفضة بدأت بالفعل في اختراق سوق الفضة بالجملة نفسه، وليس فقط أسواق التجزئة أو الاستثمار الفردي.
وتفاقمت الأزمة نتيجة اعتماد عدد كبير من هذه المؤسسات على تمويل عمليات إعادة شراء الفضة من سوق التجزئة، ثم إرسال المعدن إلى المصافي، إلى جانب الخسائر التي تكبدتها نتيجة بيع كامل محافظها في سوق العقود الآجلة للفضة. وأدى ذلك إلى استنزاف خطوط الائتمان المتاحة لها بشكل شبه كامل، ما تسبب في شلل واضح بقدرتها على مواصلة النشاط الطبيعي.
ويُذكر أن معظم تجار المعادن النفيسة بالجملة في الولايات المتحدة يعتمدون على بيع كامل مخزونهم من الذهب والفضة بيعًا على المكشوف، في محاولة للحفاظ على وضع مالي محايد، حيث يحققون أرباحهم من فروق أسعار البيع والشراء فقط، مع السعي لتجنب أي انكشاف مباشر على حركة أسعار المعادن نفسها. إلا أن هذه الاستراتيجية تحولت إلى عبء ثقيل مع الارتفاع الحاد في أسعار الفضة.
ومع تضاعف أسعار الفضة إلى نحو أربع مرات خلال الفترة الأخيرة، ارتفعت تكلفة تغطية مراكز البيع المكشوف لمحافظ تضم ملايين الأونصات من الفضة المادية عبر عقود كومكس الآجلة بشكل هائل، ما أدى إلى ضغط غير مسبوق على خطوط الائتمان الثابتة لتجار الجملة. ويؤكد مراقبون أن هذا العامل كان من أبرز أسباب الأزمة الحالية.
وتكمن المفارقة في أن قطاع المعادن النفيسة بالجملة في الولايات المتحدة بات يتضرر بشدة من الفضة نفسها، نتيجة قرارات شركات الوساطة وتجار الجملة بربط نشاطهم بالدولار الأمريكي، وبيع محافظ الذهب والفضة بالكامل على المكشوف، بدلًا من الاحتفاظ بمراكز فعلية في المعدن. وبذلك، ربطت معظم شركات الوساطة وتجار الجملة الذين يعتمدون على المعادن النفيسة في أعمالهم مصيرهم بالعملة الأمريكية، وليس بقيمة المعدن ذاته.
ومع وصول سعر الفضة إلى مستوى 95 دولارًا للأونصة، بات الحفاظ على العمليات اليومية العادية أمرًا بالغ الصعوبة، إذ أصبح السعر مرتفعًا إلى حد يفرض قيودًا مالية غير مسبوقة على أكبر تجار الجملة والوسطاء في الولايات المتحدة. ويرى محللون أن هذه التطورات قد يكون لها انعكاسات واسعة على سوق الفضة العالمي خلال الفترة المقبلة، سواء من حيث الأسعار أو توافر المعدن في الأسواق، في حال استمرار الضغوط الحالية دون حلول تمويلية جذرية.

