من الملاذ الآمن إلى قلب الصناعة.. لماذا تخطف الفضة أنظار الأسواق العالمية؟

أرتفاع أسعار الفضة
أرتفاع أسعار الفضة

شهدت أسواق المعادن الثمينة ارتفاعًا غير مسبوق في أسعار الفضة، بعدما تجاوز سعر الأونصة مستوى 90 دولارًا للمرة الأولى في التاريخ، محققًا مكاسب قياسية دفعت بالقيمة السوقية لسوق الفضة إلى تجاوز خمسة تريليونات دولار، لتصبح بذلك ثاني أكبر الأصول أداءً بعد الذهب. 

ويعكس هذا الصعود الاستثنائي تفاعل مجموعة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية التي تشهدها الأسواق العالمية خلال الفترة الحالية.

أسباب أرتفاع أسعار الفضة

وتأتي التوترات الجيوسياسية في مقدمة المحركات الرئيسية لهذا الارتفاع، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، وتزايد المخاوف من تصعيد عسكري محتمل مع إيران، إلى جانب الرهانات المتزايدة على خفض سريع للفائدة الأميركية، وهو ما يفرض ضغوطًا على الدولار الأميركي ويعزز الطلب على الملاذات الآمنة، وفي مقدمتها الفضة.

كما ساهم الطلب المتنامي من القطاعين الاستثماري والصناعي، إلى جانب القيود المشددة على صادرات الفضة من الولايات المتحدة والصين، في زيادة الضغوط الصعودية على الأسعار، وسط محدودية المعروض في الأسواق العالمية.

وتشير البيانات إلى أن أسعار الفضة سجلت خلال ثمانية أشهر فقط ارتفاعًا بنسبة 175 بالمئة، لتصبح أفضل الأصول أداءً منذ بداية عام 2025 وحتى الآن، متفوقة على الذهب والأسهم والعملات المشفرة، في تطور يعكس حالة غير مسبوقة في أسواق المعادن الثمينة ويضع الفضة في مركز اهتمام عالمي للمستثمرين والمتعاملين.

الطلب الصناعي والاستثماري يدفع الأسعار

وفي هذا السياق، أكد استراتيجي الأسواق المالية في First Financial Markets، جاد حريري، خلال حديثه إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، أن الفضة تصدرت قائمة الأصول المالية الأكثر بروزًا في عام 2025، مع استمرار هذا الاتجاه خلال عام 2026.

وأشار حريري إلى أن الطلب على الفضة يشهد ارتفاعًا ملحوظًا نتيجة دورها المحوري في الصناعات التحويلية، لا سيما في قطاعات السيارات الكهربائية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، لافتًا إلى أن محدودية المعروض لعبت دورًا أساسيًا في الصعود القوي للأسعار.

وأوضح أن الصين فرضت قيودًا على تصدير الفضة، حيث اقتصرت عمليات التصدير على عدد محدود من الشركات، ما زاد من الضغوط على السوق ورفع مستويات الطلب العالمي على المعدن.

الفضة كبديل استثماري للذهب والنقد

وأضاف حريري أن الفضة باتت تُستخدم بشكل متزايد كأصل استثماري بديل عن الذهب، خاصة في ظل المستويات السعرية الحالية، حيث بلغ سعر كيلو الفضة نحو 3 آلاف دولار، مقارنة بسعر أونصة الذهب الذي وصل إلى حوالي 4600 دولار. وأكد أن هذا التحول يعكس توجه المستثمرين نحو المعادن الثمينة كبديل آمن للاحتفاظ بالسيولة النقدية.

نسبة الذهب إلى الفضة والتوقعات المستقبلية

وتناول حريري نسبة الذهب إلى الفضة (XAU/XAG Ratio) وتأثيرها على توقعات السوق، مشيرًا إلى أن هذه النسبة شهدت انخفاضًا ملحوظًا بحلول مايو 2025، حيث ارتفع الذهب بنحو 40 بالمئة، في حين قفزت الفضة بحوالي 220 بالمئة. 

ولفت إلى أن هذه المستويات تفتح المجال أمام مزيد من الارتفاعات، مع توقعات بوصول سعر الذهب إلى نحو 6000 دولار بحلول عام 2026، مقابل احتمالات صعود الفضة إلى ما بين 180 و190 دولارًا للأونصة.

وأوضح أن توجه عدد من الحكومات إلى تقليص حيازاتها من العملات الأجنبية وزيادة استثماراتها في المعادن الثمينة يدعم هذه التوقعات، في ظل تغيرات هيكلية تشهدها سياسات الاحتياطيات الاستثمارية على المستوى العالمي.

سلوك السوق والتصحيحات المحتملة

وحول سلوك السوق، أشار حريري إلى أن تاريخ الفضة شهد ارتفاعات قوية أعقبها في كثير من الأحيان تراجعات حادة وصلت أحيانًا إلى 50 و60 بالمئة. 

وأضاف أن التراجع الأخير الذي بلغ نحو 8 بالمئة في الأسواق الآسيوية يُعد محدودًا مقارنة بالتراجعات التاريخية، ما قد يشير إلى إمكانية استئناف الصعود بعد أي تصحيح طفيف.

وأكد أهمية إدراك المستثمرين لنقاط الذروة في السوق لتجنب المخاطر، مستشهدًا بتجارب سابقة مثل عام 2011 وأواخر سبعينيات القرن الماضي، حيث شهدت الفضة موجات ارتفاع أعقبها هبوط حاد قبل أن تعود الأسعار للصعود مجددًا.

مستقبل الفضة بين الفرص والمخاطر

وخلص حريري إلى أن الفضة، نظرًا لدورها المزدوج كأصل صناعي واستثماري، ستظل محط أنظار الأسواق خلال الفترة المقبلة، مع فرص كبيرة لمواصلة الصعود. 

لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة الانتباه لمخاطر التصحيح السعري، في ظل ما يرافق الارتفاعات التاريخية من تقلبات حادة.

وأكد أن الأسواق المالية في عام 2026 ستشهد ديناميكيات جديدة، مدفوعة بالطلب الصناعي، والسياسات الحكومية المتعلقة بالاحتياطيات، والتحولات في سلوك المستثمرين، ما يجعل الفضة أحد أكثر الأصول متابعة وتأثيرًا في المشهد الاقتصادي العالمي.

اقرأ أيضًا..

أزمة الفضة العالمية تتفاقم: عجز تاريخي في المعروض وضغوط غير مسبوقة على السوق الورقي
 

تم نسخ الرابط