الذهب يحطم رقماً قياسياً جديداً عند 4600 دولار للأونصة.. التحقيق مع باول والتوترات الجيوسياسية

ترامب ورئيس الاحتياطي
ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي

في تطور اقتصادي لافت يعكس حالة القلق العالمي المتزايد، سجل الذهب اليوم الاثنين قمة تاريخية جديدة تجاوزت 4600 دولار للأونصة، مدفوعاً بموجة شراء هائلة على الملاذات الآمنة التقليدية. 

 
هذا الارتفاع الحاد، الذي بلغ نسبة 2% خلال تعاملات اليوم وحدها، يأتي في أعقاب سلسلة من الأحداث السياسية والجيوسياسية التي أثارت مخاوف المستثمرين حول الاستقرار العالمي، مما دفع الكثيرين إلى الالتجاء إلى المعدن الأصفر كحصن آمن ضد التقلبات. 

سعر أونصة الذهب الفوري

وبعد أن وصل سعر أونصة الذهب الفوري إلى مستوى غير مسبوق فوق 4600 دولار، تراجع قليلاً لكنه حافظ على مكاسبه الرئيسية، مسجلاً ارتفاعاً تراكمياً بنحو 6% منذ بداية العام الجاري. هذا الرقم يبني على أداء استثنائي شهده الذهب في عام 2025، حيث حقق مكاسب سنوية تقارب 65%، وهي أعلى نسبة في عقود، مدعوماً بشراء مكثف من البنوك المركزية وصناديق الاستثمار المتداولة، بالإضافة إلى خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.


يُعزى هذا الارتفاع الدراماتيكي إلى مجموعة متداخلة من العوامل الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية التي تكمل بعضها البعض، مما يعزز جاذبية الذهب كأداة للحفاظ على الثروة في أوقات الاضطراب. 


أولاً، يبرز التحقيق الجنائي الذي يواجه رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول كعامل رئيسي في هذا السياق فقد أعلن باول أمس الأحد أنه يخضع لتحقيق فيدرالي يركز على مشروع تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن بقيمة 2.5 مليار دولار، بالإضافة إلى شهادته أمام الكونغرس.

 ووصف باول التحقيق بأنه نتيجة لإحباط الرئيس دونالد ترامب من سياسات الاحتياطي الفيدرالي في عدم خفض أسعار الفائدة بالسرعة والحجم الذي يطالب به. 


هذا التحقيق أثار تكهنات واسعة حول إمكانية استقالة باول أو إقالته قبل انتهاء ولايته، مما قد يؤدي إلى تعيين رئيس جديد أكثر ميلاً نحو سياسات نقدية توسعية. 


وفي هذا السياق، يرى المحللون أن أي خفض سريع لأسعار الفائدة سيقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، الذي لا يدر عائداً، مما يجعله أكثر جاذبية للمستثمرين. 


كما أن البيانات الاقتصادية الأمريكية الأخيرة، التي أشارت إلى تباطؤ في سوق العمل، تعزز من هذه التوقعات، حيث تبرر حاجة الاحتياطي الفيدرالي إلى مزيد من التيسير النقدي.


بالتوازي مع الشكوك السياسية داخل الولايات المتحدة، ساهمت التوترات الجيوسياسية المتجددة في تعزيز الطلب على الذهب كملاذ آمن. 

فقد عادت التوترات مع إيران إلى الواجهة بعد أن أعلنت واشنطن أنها تدرس خيارات الرد على الاضطرابات الداخلية في طهران، مما أثار مخاوف من تصعيد عسكري محتمل في منطقة الشرق الأوسط، التي تعتبر مصدراً رئيسياً للنفط العالمي. 

وفي الوقت نفسه، شهدت أمريكا اللاتينية تطوراً دراماتيكياً مع إطلاق عملية عسكرية أمريكية في فنزويلا في بداية العام، أسفرت عن القبض على الرئيس نيكولاس مادورو نهاية الأسبوع الماضي. 

على الرغم من أن هذه العملية بدت سريعة الإنجاز نسبياً، إلا أنها أبرزت استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي في مناطق متعددة، مما يذكر المستثمرين بخطر اندلاع نزاعات مفاجئة قد تؤثر على الاقتصاد العالمي. 

يؤكد الخبراء أن مثل هذه الأحداث تعزز من رواية الذهب كأصل يحمي الثروات في أوقات الاضطراب، خاصة في ظل تاريخ من العقوبات الدولية والتشرذم الجيوسياسي الذي شهده العالم في السنوات الأخيرة.


كما يدعم الذهب في هذه المرحلة ضعف الدولار الأمريكي، الذي يستمر في تراجعه أمام سلة العملات الرئيسية، مما يجعل المعدن النفيس أرخص نسبياً للمشترين من خارج الولايات المتحدة. وفقاً لتوقعات الخبراء، من المتوقع أن يبقى الدولار ضعيفاً طوال عام 2026، مدعوماً بعجز مالي متزايد في الولايات المتحدة ودول أخرى، مما يشجع على الطلب على الذهب كبديل عن العملات الورقية. 

بالإضافة إلى ذلك، تظل البنوك المركزية مشترين قويين للذهب، حيث تسعى لتنويع احتياطياتها بعيداً عن الاعتماد الكبير على الدولار، على الرغم من أن حجم الشراء قد ينخفض قليلاً مقارنة بالذروة التي شهدتها الفترة بين 2022 و2024 بسبب الأسعار المرتفعة الحالية.


أما بالنسبة للتوقعات المستقبلية، فيرى العديد من البنوك الاستثمارية الكبرى أن الزخم الحالي قد يدفع أسعار الذهب نحو مستوى 5000 دولار للأونصة خلال النصف الأول من عام 2026، رغم احتمال حدوث تقلبات شديدة وتصحيحات مؤقتة بسبب عوامل مثل تحسن الاقتصاد الأمريكي أو تهدئة التوترات الجيوسياسية. 


ويؤكد الخبراء على أن القضية الهيكلية للذهب تبقى قوية، حيث يعيد المستثمرون تقييم توزيع محافظهم في ظل التعقيدات المالية والنقدية، بما في ذلك العقوبات الدولية والتشرذم الاقتصادي العالمي  في الواقع، أصبح الذهب جزءاً أساسياً من استراتيجيات الاستثمار لعام 2026، كما أوصى به استراتيجيون في بنوك مثل ستاندرد تشارترد وبنك سنغافورة، الذين يرونه كأحد أكثر الأصول اقتناعاً في مواجهة التحديات المستمرة.
في النهاية، يبدو أن الذهب يعيش أيامه الذهبية فعلاً في عالم يزداد تعقيداً وقلقاً على كل المستويات السياسية والاقتصادية والجيوسياسية، حيث يظل المعدن النفيس الخيار الأول للحفاظ على القيمة وسط العواصف المتلاحقة.

 وسيتابع المحللون تطورات التحقيق في باول والأحداث الجيوسياسية عن كثب، لتقييم ما إذا كان هذا الارتفاع بداية لموجة صعودية أكبر أم مجرد رد فعل مؤقت.

تم نسخ الرابط