الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران تشعل أسواق الطاقة وتهدد الخليج بركود اقتصادي واسع
الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران .. في تطور دراماتيكي أعاد رسم خريطة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، شهدت المنطقة في 28 فبراير 2026 ضربات عسكرية مشتركة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، أسفرت – وفق السيناريو المتداول – عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، ما فجّر موجة ردود فعل إيرانية عنيفة شملت إطلاق صواريخ باتجاه قواعد أمريكية وإسرائيلية في المنطقة.
الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران الإطار العسكري
هذه التطورات لم تبقَ في الإطار العسكري، بل تحولت سريعًا إلى صدمة اقتصادية عالمية محتملة، وضعت منطقة الخليج في قلب العاصفة، ودفعت بأسواق الطاقة والمال إلى حالة من الارتباك الشديد.
تكمن خطورة التصعيد في موقع الخليج الاستراتيجي، خاصة مع سيطرة إيران على الضفة الشمالية من مضيق هرمز، الذي يُعد الشريان الأهم لتدفق الطاقة عالميًا، إذ يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي.
هذا الواقع يضع دول الخليج العربية مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر أمام مخاطر مباشرة، خصوصًا إذا لجأت طهران إلى إغلاق المضيق كإجراء انتقامي، سواء عبر زرع ألغام بحرية أو استهداف ناقلات النفط.
وفي مثل هذا السيناريو، يتوقع خبراء الطاقة أن يقفز سعر خام برنت إلى 100 دولار للبرميل أو أكثر، مع احتمال تضاعف تكاليف الشحن البحري والتأمين في المنطقة.
ارتفاع أسعار النفط لن يكون خبرًا إيجابيًا بالضرورة لاقتصادات الخليج، رغم اعتمادها الكبير على عائدات الطاقة. فتعطل الصادرات ولو جزئيًا يعني خسائر يومية ضخمة، ويضع خطط التنويع الاقتصادي تحت ضغط متزايد، خاصة في ظل ارتفاع كلفة التمويل والاستثمار نتيجة زيادة المخاطر الجيوسياسية.
كما أن أي استهداف للبنية التحتية النفطية – مثل الحقول أو المصافي أو الموانئ – قد يؤدي إلى تعطيل جزء من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية لدول الخليج، التي تُقدَّر بنحو 2 إلى 3 ملايين برميل يوميًا، ما يحوّل القدرة الفائضة إلى طاقة معطلة ويعمّق اضطراب الأسواق.
إلى جانب قطاع الطاقة، ستتأثر قطاعات أخرى حيوية في الخليج، مثل الطيران والسياحة والخدمات اللوجستية، نتيجة ارتفاع أقساط التأمين على السفن والطائرات، واحتمال تأخير الشحنات التجارية.
هذا المناخ قد يُضعف جاذبية المنطقة للاستثمارات الأجنبية، خصوصًا في القطاعات غير النفطية التي شهدت نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مثل التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والمشروعات السياحية الكبرى.
على المستوى العالمي، تتسع دائرة التأثير لتشمل اقتصادات آسيوية كبرى مثل الصين والهند، اللتين تعتمدان بدرجة كبيرة على نفط الخليج وإيران. وفي حال تعطل الإمدادات، ستضطر هذه الدول إلى البحث عن مصادر بديلة، ما يعزز المنافسة في الأسواق الفورية ويرفع الأسعار بنحو 10 إلى 20 دولارًا إضافيًا للبرميل.
هذا الارتفاع سينعكس مباشرة على معدلات التضخم العالمية، التي قد ترتفع بنحو 0.6 إلى 0.7 نقطة مئوية، مع زيادة أسعار الوقود والنقل والإنتاج في الاقتصادات الصناعية الكبرى.
في الولايات المتحدة وأوروبا، سيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف المعيشة والضغط على البنوك المركزية، التي قد تجد نفسها أمام معضلة بين مكافحة التضخم ودعم النمو الاقتصادي.
وإذا طال أمد الصراع، فقد تتراجع معدلات النمو بشكل حاد، ما يرفع احتمالات الدخول في ركود عالمي، خاصة في ظل هشاشة التعافي الاقتصادي العالمي بعد أزمات متتالية.
كما أن تصاعد التوترات قد يدعم قوة الدولار الأمريكي باعتباره ملاذًا آمنًا، ما يزيد الضغوط على العملات في الأسواق الناشئة ويرفع كلفة خدمة الديون الخارجية.
وفي سيناريو أكثر تشاؤمًا، إذا امتد التصعيد ليشمل استهداف مطارات وموانئ حيوية في الخليج، فقد تصل أسعار النفط إلى 130 دولارًا للبرميل، وهو مستوى كفيل بإحداث صدمة تضخمية واسعة النطاق، تعيد إلى الأذهان أزمات الطاقة التاريخية.
مثل هذا التطور قد يبطئ مشاريع التحول الاقتصادي في الخليج، ويعيد تركيز الموارد نحو الإنفاق الأمني، بدلًا من الاستثمار في الابتكار والتنمية المستدامة.
في المحصلة، يتجاوز أثر الضربات العسكرية حدود المواجهة المباشرة، ليصبح اختبارًا صعبًا لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمات الجيوسياسية. فاستقرار الخليج ليس مسألة إقليمية فحسب، بل عنصر أساسي في توازن أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وبينما تبقى السيناريوهات مفتوحة على احتمالات متعددة، فإن المؤكد أن أي تصعيد إضافي سيضاعف المخاطر الاقتصادية، ويجعل الحلول الدبلوماسية ضرورة ملحة لتجنب أزمة قد تمتد آثارها لسنوات.

