"عاصمة المليونيرات".. كيف سحبت دبي البساط من المراكز المالية التقليدية؟
في أول تقرير ضمن سلسلة "مستقبل القطاع المالي" للعام 2026، بعنوان "آفاق الثروة العالمية: رؤية جديدة للنمو في ظل عالمٍ متغير"، استعرض مركز دبي المالي العالمي أبرز الاعتبارات التي تعيد تشكيل مشهد الثروة العالمي، في ظل التقلبات الاقتصادية، والتحولات الديموغرافية، وتحول مسارات تدفق رؤوس الأموال.
يشير التقرير إلى أن عدد الأفراد ذوي الملاءة المالية العالية حول العالم يبلغ نحو 23 مليون شخص بإجمالي ثروات تقارب 87 تريليون دولار، ما يعكس الدور المحوري لهذه الفئة في توجيه تدفقات الاستثمار العالمية.
دبي وجهة مفضلة لأصحاب الثروات العالية
سلّط التقرير الضوء على تنامي مكانة دبي كوجهة مفضلة لأصحاب الثروات العالية، والمكاتب العائلية، والمستثمرين الباحثين عن مرونة وتنوع في محافظهم الاستثمارية، بما يساعدهم على مواجهة التقلبات الاقتصادية، وفق ما نقلته وكالة أنباء الإمارات "وام".
مزايا دبي الاستثمارية
وأكد التقرير: الريادة كمركز عالمي للثروات الخاصة والعائلية، حيث تجمع دبي بين العمق المؤسسي للمراكز المالية العريقة، والبيئة الاستثمارية المرنة والمستقرة، فضلاً عن المزايا الضريبية الجاذبة للمستثمرين العالميين.
تشكيل بيئة استثمارية متكاملة تدعم نمو وازدهار رؤوس الأموال الخاصة والعائلية، وتساهم في إعادة صياغة معايير إدارة الثروات عالمياً.
تصريحات الخبراء
يقول الخبير الاقتصادي جمال الجروان، الأمين العام السابق لمجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
دبي أصبحت واحدة من أهم الوجهات العالمية لأصحاب الثروات العالية، بفضل مزيج من العوامل الاقتصادية والقانونية والاستثمارية والحياتية التي توفر مزايا تنافسية مقارنة بالمدن المالية التقليدية.
البيئة الضريبية الجذابة تساعد أصحاب رؤوس الأموال على الحفاظ على ثرواتهم وتنميتها بكفاءة أعلى، إلى جانب سياسات اقتصادية مرنة ومعدلات ضريبية منخفضة على الشركات.
برامج الإقامة طويلة الأمد، مثل برنامج الإقامة الذهبية الذي يمنح إقامة تصل إلى عشر سنوات، توفر استقراراً عائلياً واستثمارياً، إضافة إلى تسهيلات مرتبطة بالاستثمار العقاري أو التجاري.
جودة الحياة المرتفعة ومستوى الأمان يشكلان عنصر جذب رئيسي، مع بنية تحتية متطورة تشمل النقل والتعليم والرعاية الصحية، فضلاً عن الفعاليات الثقافية والترفيهية العالمية.
مؤشرات النمو
وفق تقديرات "هينلي أند بارتنرز"، استقطبت الإمارات نحو 9,800 مليونير جديد في 2025، معظمهم في دبي، محققة أعلى صافي تدفق عالمي للاستثمارات، في ظل التحولات المستمرة في السياسات الضريبية للمراكز المالية التقليدية.
ويحتضن مركز دبي المالي العالمي 1,289 كياناً تابعاً لشركات عائلية، ما يجعله أكبر منظومة للثروات العائلية في الإمارات، معززاً مكانة دبي كمركز عالمي للثروات الخاصة.
السوق العقارية ودورها في جذب الثروات
يشير الجروان إلى أن السوق العقارية في دبي تشهد نشاطاً قوياً في الطلب على العقارات الفاخرة، مع تحقيق عوائد إيجارية تنافسية مقارنة بكبرى المدن العالمية، إضافة إلى إتاحة نظام الملكية الحرة للأجانب في مناطق محددة، ما يعزز الثقة في الاستثمارات طويلة الأجل.
ويؤكد أن الموقع الاستراتيجي لدبي بين أوروبا وآسيا وأفريقيا يمنحها ميزة تنافسية كبيرة كمركز عالمي للأعمال، بفضل شبكة طيران ومطارات عالية النشاط.
التحولات في إدارة الثروات العالمية
يشير عارف أميري، الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي، إلى أن استراتيجيات إدارة الثروة العالمية تشهد تحولاً هيكلياً جوهرياً، حيث تواجه العائلات بيئات استثمارية تغلب عليها التقلبات وتباين الأطر التنظيمية، مع تغير أولويات الأجيال الجديدة، مما يدفع لإعادة النظر في مفاهيم المخاطر والنمو طويل الأمد.
أهمية الاعتبارات الجغرافية
لم تعد الاعتبارات الجغرافية أقل أهمية من استراتيجيات الاستثمار نفسها، إذ أصبحت عنصراً حاسماً في حماية الثروة وصونها.
دبي استبقت هذا التحول بتوفير بيئة مستقرة مفتوحة على الأسواق العالمية مع وضوح تنظيمي، مما يمكّن المستثمرين من اتخاذ قرارات طويلة الأجل بثقة.
التحولات في خريطة الثروة العالمية
يقول خبير أسواق المال محمد سعيد، إن: المراكز المالية التقليدية لم تعد المحور الوحيد لتراكم رؤوس الأموال، والعالم يدخل مرحلة "تعددية قطبية اقتصادية".
التضخم المستمر وارتفاع أسعار الفائدة دفع المستثمرين لإعادة تقييم استراتيجياتهم، مع توجه متزايد نحو الأصول الملموسة مثل العقارات والذهب والسلع الفاخرة.
التحولات الديموغرافية تلعب دوراً محورياً، حيث تواجه دول الشمال المتقدمة تحديات الشيخوخة السكانية، بينما توفر دول الجنوب قوة عمل ضخمة وسوقاً استهلاكية واعدة.
عمليات نقل الثروة بين الأجيال كبيرة، مع انتقال نحو 83 تريليون دولار خلال العقدين المقبلين، مع توجه الأجيال الجديدة نحو الاستثمار المستدام والأثر الاجتماعي والبيئي.
مناطق مثل الخليج وسنغافورة أصبحت مراكز جاذبة للمكاتب العائلية، مع نمو أحجام الصناديق السيادية في الشرق الأوسط والنرويج وتوجيهها نحو قطاعات استراتيجية.
فك الارتباط الاقتصادي بين القوى الكبرى ساهم في بروز اقتصادات محايدة كمراكز للاستثمار، مع جهود لتنويع الاحتياطيات النقدية بعيداً عن الدولار.
التكنولوجيا والابتكار، خصوصاً الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، أصبحت المحرك الأقوى لتراكم الثروات، مع بروز مجالات الفضاء والتقنية الحيوية والأصول الرقمية.
التحول الأخضر وأثره المالي
الانتقال إلى الطاقة النظيفة يخلق ثروات جديدة للدول الغنية بالمعادن النادرة والشركات العاملة في البنية التحتية المستدامة.
الأصول المرتبطة بالوقود الأحفوري تواجه مخاطر تراجع قيمتها، ما يعيد رسم ملامح الثروة العالمية.
التحول الهيكلي في استراتيجيات الاستثمار
يشير تقرير مركز دبي المالي العالمي إلى أن: استمرار تقلبات الأسواق وعدم استقرار الأوضاع الجيو-اقتصادية يدفع أصحاب الثروات لإعادة تقييم استراتيجيات توزيع رؤوس الأموال.
الاعتبارات الجغرافية والقانونية والضريبية أصبحت عناصر أساسية في حماية الثروة واستدامتها على المدى الطويل.
انتقال الثروات بين الأجيال، المتوقع أن يصل إلى نحو 124 تريليون دولار بحلول 2048، يحرك استراتيجيات الاستثمار نحو الأسواق الخاصة، والذكاء الاصطناعي، والاستدامة.
الجيل التالي يوازن بين المكاسب المالية، والمرونة الاقتصادية، وقدرة المحافظ على مواجهة الاضطرابات، مع تعزيز تماسك الأسرة وإحداث أثر اجتماعي وبيئي.
دور النساء في إدارة الثروات يتنامى، حيث يمثلن أكثر من 10% من أصحاب الملاءة المالية العالية، ومن المتوقع أن يستحوذن على نحو 95% من الثروات المنتقلة بين الأزواج بقيمة 54 تريليون دولار.
السلوك الاستثماري في ظل عدم اليقين
تقول خبيرة أسواق المال حنان رمسيس: الضبابية الاقتصادية والجيوسياسية تدفع المستثمرين نحو تقليل المخاطر والبحث عن الملاذات الآمنة.
التحول من الاستثمارات مرتفعة المخاطر إلى أدوات أكثر أماناً مثل سندات وأذون الخزانة والذهب والفضة.
استراتيجيات المستثمرين تختلف حسب درجة تقبل المخاطر، بين أسهم التكنولوجيا وأسهم القيمة.
بعض الحكومات توفر أدوات ادخارية بديلة لتعويض تراجع العوائد البنكية، بما يعكس تغير خريطة الادخار والاستثمار.
الموقع الجغرافي يلعب دوراً رئيسياً، مع تفضيل الأصول الآمنة في مناطق التوتر، مثل الذهب والفضة، إضافة إلى الاستثمار في قطاعات مرتبطة بالأزمات مثل الغذاء والتأمين.
تنوع الأدوات الاستثمارية والاحتفاظ بالسيولة يمثل استراتيجية أساسية في أوقات عدم اليقين.
اقرأ أيضًا:
وداعاً للتبعية النفطية.. كيف أعادت دبي صياغة مستقبل أسواق المال في المنطقة؟