لماذا تحث الصين بنوكها على تقليص حيازة السندات الأميركية؟
تتجه أنظار الأسواق العالمية نحو تحركات تنظيمية صينية جديدة، بعد توجيهات صدرت للبنوك الصينية لتقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل الاستثمار في الديون السيادية الأمريكية والتداعيات المحتملة على الأسواق العالمية.
توجيهات بكين: تقليل الانكشاف المالي على سندات الخزانة
أفادت وكالة "بلومبرغ"، أن الهيئات التنظيمية الصينية نصحت المؤسسات المالية بضرورة كبح مشترياتها من الديون السيادية الأميركية، خاصة البنوك التي تمتلك مراكز انكشاف مرتفعة. وأوضحت الوكالة أن هذه التوجيهات شفهية ولا تشمل حيازات الدولة الرسمية، وتهدف إلى تقليل المخاطر الناتجة عن التركيز المالي الكبير على سندات الخزانة الأمريكية.
السياق التاريخي لتراجع حيازات الصين
تراجعت حيازات الصين من السندات الأميركية منذ ذروتها عام 2013 عند 1.32 تريليون دولار لتصل إلى نحو 683 مليار دولار في نوفمبر 2025، أي بانخفاض يقارب 48%.
ويُعتقد أن جزءًا من هذه الحيازات انتقل إلى حسابات عهدة أوروبية، مثل بلجيكا التي تضاعفت حيازاتها من السندات أربع مرات منذ 2017 لتصل إلى 481 مليار دولار.
الدوافع الاقتصادية وراء التحرك الصيني
أرجع الخبير الاقتصادي الدكتور عماد الدين المصبح، توجيهات بكين إلى ثلاثة دوافع رئيسية:
مخاطر التركّز المالي: ارتفاع الانكشاف على سندات الدولار (298 مليار دولار حتى سبتمبر 2025) يعرض الميزانيات لتقلبات حادة.
تآكل جاذبية الأصول الأميركية: تضخم الدين الأميركي المتجاوز 38 تريليون دولار، وتهديدات استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، قلل من مكانة سندات الخزانة كملاذ آمن.
مسار استراتيجي طويل الأمد: الخطوة تأتي ضمن سياسة بدأت عام 2013، لتقليل الاعتماد على الدولار تدريجيًا وتنويع المخاطر.
ردود فعل الأسواق العالمية
أدت الأخبار إلى تراجع الدولار بنسبة 1%، وارتفاع عوائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى 4.24%، مع تعزيز أسعار الذهب. ورغم هذه التحركات، فإن الصين ليست وحدها في التوازن العالمي، إذ رفعت دول مثل اليابان وبريطانيا والسعودية حيازاتها، ما دفع إجمالي الحيازات الأجنبية للسندات الأميركية إلى مستويات قياسية بلغت 9.4 تريليون دولار في نوفمبر الماضي.
استراتيجيات الصين لتنويع المخاطر
أوضح المصبح أن الصين تتجه في استراتيجيتها إلى ثلاثة محاور:
الذهب: بنك الشعب الصيني واصل الشراء ليصل الاحتياطي إلى 2,306 أطنان بقيمة 319 مليار دولار.
السندات الأوروبية واليابانية: تحويل جزء من الاستثمارات نحو أسواق أكثر تنوعًا.
تدويل اليوان: رفع حصة اليوان في المدفوعات العابرة للحدود إلى 55% عبر نظام المدفوعات CIPS.
قراءة الخبراء: تحوّط مالي ورسالة ضمنية
يشير الخبراء إلى أن التحرك الصيني يهدف أساسًا للتقليل من المخاطر المالية للبنوك، لكنه يحمل رسالة مزدوجة لواشنطن بأن بكين تمتلك أدوات ضغط اقتصادي فاعلة، خصوصًا قبيل القمة المرتقبة بين الرئيسين شي وترامب في أبريل 2026.
التحول نحو العملات الوطنية
أكد الدكتور مصطفى بدرة أن الصين نجحت في تقليل اعتماد بنوكها على الدولار من خلال تفعيل نظام التبادل بالعملات المحلية مع شركاء استراتيجيين مثل الهند وروسيا وعدد من الدول العربية، إضافة إلى تعزيز حيازة الأصول البديلة مثل الذهب والسندات غير الأميركية.
وأشار إلى أن الهدف الرئيسي هو حماية البنوك الصينية من صدمات السوق التقليدية والحد من المخاطر المالية الناتجة عن تقلبات الدولار.
اقرأ أيضًا: